الذكرى هي عبارة عن كتاب بعنوان "نظام التفاهة"، ويصح هنا المثل "المكتوب يُقرأ من عنوانه". وأقول ذكرى وليست هدية، لأن فحواه سيذكر كل فرد فيكم، ما بين معارض وما بين موافق، في زبدة المسيرة التثقيفية التي عبرتموها كما تقدمتم في بداية اللقاء. رغم أن اسم الكتاب في اللغة الإنجليزية يعتمد مصطلحًا آخر يتمحور حول الوسطية، إلا أن المترجمة، وبحق، أجمَلت ميزات الوسطية بالتفاهة.
عن الكاتب:
مؤلف الكتاب هو آلان دونو (Alain Deneault)، أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية. وهو أكاديمي ناشط، معروفٌ بالتصدي للرأسمالية المتوحشة ومحاربتها على عدة جبهات.
وهو واحد من عدة مثقفين غربيين، ولكنه ينضم إلى قافلة من المثقفين والأكاديميين العرب أمثال وائل حلاق، وموفق محادين، ومنير فاشة، وآخرين.
أما المترجمة، الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري، فقد نجحت - برأيي - بأن توجز الكتاب بشكل سلس في مقدمتها التي تمتد على خمسة وستين صفحة، وأنا أنصح كل فرد هنا بألا يتردد في قراءتها.
أما أسباب اختيار هذا الكتاب تحديدًا، فسأقدمه من خلال قراءة لما تقدمت به المترجمة في الفقرة الافتتاحية تحت عنوان "عن الكتاب" مع بعض التعليقات والتوضيحات.
"ويدور موضوع هذا الكتاب حول فكرة محورية: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى، تدريجيًا، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة".
وهنا مهم أن أوضح ما المقصود بـ"تدريجيًا": نحن نتحدث عن سيادة فُرضت علينا بالتدريج خلال مرحلة زمنية ممتدة. دونو لربما يتمحور في العقود الأخيرة، حيث سيطرت النيوليبرالية، ولكن غرامشي من قبله، في بداية الثلاثينيات كمثال، تحدث عن المنظومة الرأسمالية الليبرالية، ووائل حلاق في كتابه "قصور الاستشراق" يبدأ من عصر التنوير مرورًا بالحداثة، ومنير فاشة اعتبرها تجليًا لسيادة "القبيلة الأوروبية" منذ نشوئها. إذًا، نحن نتحدث عن نظام نعيشه جميعًا، ونفكر ونتصرف وفقه، غالبًا بدون وعي وبشكل تلقائي.
النقطة الثانية التي يجب توضيحها هي المقصد من وراء "مفاصل نموذج الدولة الحديثة".
عندما نتحدث عن مفاصل الدولة الحديثة، فنحن لا نتحدث عن القيادات السياسية والمهرجين أمثال ترامب، ونتنياهو، وماكرون، وستارمر، أو الألماني ميرتس. هؤلاء نتائج للمفاصل، كما قال غرامشي. نحن نتحدث عن جهاز التربية والتعليم بشقيه: المرحلة المدرسية والمرحلة الجامعية، والجامعية هي الأخطر بكونها المؤسسة التي تعمل على الإحلال المعرفي، وصياغة المفاهيم، وإنتاج الوسطية كثقافة وكفكر. فعليكم، وأنتم على أبواب الجامعات، الحذر. وهنالك أيضًا مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الثقافية من مسرح وموسيقى، والإعلام، والمرافق الاقتصادية مثل البنك الدولي، والبنوك المحلية، والشركات التكنولوجية الحديثة، وجميعها تشكل مفاصل النظام الذي يسود اليوم.
أكمل من تعريف المترجمة:
"بذلك، وعبر العالم، يلحظ المرء صعودًا غريبًا لقواعد تتسم بالرّداءة والانحطاط المعياريين: فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغُيِّب الأداء الرفيع، وهُمِّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأُبعِد الأكفّاء، وخلت الساحة من التحدّيات، فتسيّدت إثر ذلك شريحةٌ كاملةٌ من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية، وكل ذلك لخدمة أغراض السوق في النهاية، ودائمًا تحت شعارات الديمقراطية والشعبوية والحرية الفردية والخيار الشخصي."
يجدر هنا أن نتوقف عند العلاقة التي يسطرها دونو في كتابه، كما سطرها نقاد آخرون، بين تهميش وانحصار منظومة القيم – والتي نشهدها اليوم في الإبادة لشعبنا، كما نشهدها في وقاحة الحكام وغياب خجلهم – وبين الوسطية والتفاهة.
أهمية دونو، ووائل حلاق، وطه عبد الرحمن، ومنير فاشة، وموفق محادين، وأمثالهم من مثقفين عرب وآخرين غربيين، هي في توضيح هذه العلاقة الجدلية، لأنها رافعة أمل ممكن أن ننطلق منها من أجل التغيير.
والقضية الثانية، ولها علاقة مباشرة بكم وبفعلكم، وفي الأثر الذي تركتموه عندما تحدّيتم – في شكل هذا التخرج – نظام التفاهة، هي إخلاء الساحة من التحديات كتجلي واضح لهذا النظام.
أنتم، بفعلكم، استعدتم التحدي، ليس فقط كفكرة بل كقيمة، فبان التحدي على زميلاتكم وزملائكم، كما تخلخل بين طاقم المعلمين والمعلمات، وقد شعرتم بهذا في طبيعة الأسئلة التي تولدت في لقاء الطاقم العام. فرضتم التحدي على أهاليكم، وقد تجلى هذا في البلبلة والململة التي دارت بين الأهل. ونحن نعرف أيضًا أن هذا التحدي قد صُدّر لباقي فئات المجتمع، فأضحى تخرجكم محل جدل ونقاش.
فإذا استعدتم التحدي إلى ساحة مجتمعكم، فهذا تأكيد أنكم من مقاومي هذه المنظومة، وآمل أن تكون بداية طريق ومدخلًا للحياة، على القليلة لبعضكم. وهنا أكرر أمامكم، وأستعيد أمام الآخرين، ما قالته لكم المربية منار زعبي في لقاءٍ سابق:
"أنتم دلالة على أننا شعب سينهض من تحت الرماد، وسنسترد المعنى من قلب الهدم."
أنتم الأمل في المستقبل، وبفعلكم مهدتم لمسار باقي الطريق.